الجزء الثاني

يبقى أن نتحدث عن قضية الالتزام في مسرحه، والتي وضح كثير من أبعادها حتى الآن. والالتزام الأدبي يعني أن يلتزم الأديب والفنان بشعبه وبجماهيره المضطهدة المسحوقة. الالتزام بآلامه وأماله وطموحاته وأوجاعه وما يئن تحته من ألم القهر الاجتماعي إو السياسي أو الاحتلال القومي. على الفنان أن يكون حاملاً مشعل التنوير لهذه الجماهير، مبيناً لها ابعاد وعمق مآسيها وموضحاً لها كيف يعمل المضطَهد المحليون والقوميون الاستعاريون عليهم، في ذات الوقت وهو واحد من هذه الجماهير ووسطها، ينير لهم طريق الخلاص ولو حتى بالثورة على الظلم الاجتماعي مهما كان عدد الشهداء وكيفية الاستعداد لمقارعة الأعداء القوميين. إنه يساعد الجماهير، اداة التاريخ والمشاركة في ولادته وتحققه، على معرفة لحظتها التاريخية لتعرف ما هو العمل لحظة بلحظة، إنه بتنويره للجماهير يعمل على انهاء حالة الانهيار والاغتراب والاستلاب التي تفرضه هذه الطبقات الحاكمة وجهاز حكمها وشرطتها وقانونها ومحكامها وفنونها العبثية أو التي تسمى فناً للفن كشئ ذاتي ولفئة مترفة من الحالمين الغارقين في نرجسية الذات. وبالمناسبة أن يلتزم الفنان بأمته هذا هو الوضع الطبيعي وذلك ببساطة لأن الفنان هو الولادة الجدلية عقلياً بين ذاته ومجتمعه. هذا هو الطبيعي، وما عدا ذلك فهو انسلاخ قصرى ويائس من أدباء أو فناني الفن للفن أو السريالية أو الدادية أو .... أو..... والالتزام لا يعني المباشرة والتقريرية في الفن والأدب بل يعني أرقي شكل من الإبداع الذاتي المكسو بلحم قضية الجماهير. لقد شهدنا اجمل الانتاج الأدبي الذاتي الملتزم في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي من الصعب أن يجود الزمان بمثله قبل مئات السنين، فشهدنا محمود الأبنودي وعلى حسبي وداد قلبي التي تُعلم أن يمسك الإنسان بمصيره بحرية اختيارية متمردة إن تتطلب الأمر، وعرفنا أحمد فؤاد نجم شاعراً والملحن المبدع الشيخ إمام عيسى وعرفنا أم كلثوم أنا الشعب وأصبح عندي اليوم بندقية وعرفنا محمد عبد الوهاب الوطن العربي وأخي جاوز الظالمون المدى وعرفنا عبد الحليم يمتع الجماهير بالأغاني الذاتية المعبرة عن أشواق الحب وتباريحة هذه العاطفة الإنسانية السامية الرفيع وعرفنا محمود عباس العقاد في عبقرياته وطه حسين في دعاء الكروان والمعذبون في الأرض وعرفنا نجيب محفوظ العظيم الذي أفنى جل عمره منافحاً عن الجماهير بأدب لا يرفضه إلا من هو مشكوك في ذوقه، عرفنا نزار قباني ومحمود درويش وسميح القاسم ومظفر النواب وأميل توما وتوفيق زياد "اناديكم" وعرفنا العبقري الموسيقار مرسيل خليفة وعرفنا فيروز في زهرة المدائن وغنيت مكة وعرفنا أمير اسكندر ورفعت السعيد وهويدي وسيد قطب ومحمد قطب وخالد محمد خالد في رجال حول الرسول ومصطفى محمود وحسين مروة ومهدي عامل والطيب تيزيني..... والكثير الكثير، لكننا لم نعرف من همس في أذن محبوبته قائلاً، "انت وفقط، وبعدك الطوفان". من الجميل القول بأننا لم نسمع بهم، إنهم يغنون لأنفسهم في الحمام كي يصبح صوتهم جميلاً لهم فيناموا ليلهم قريري العين مخدوعين، ربما يستيقظون ذات لحظة ويعرفوا بأنهم هم انفسهم وفقط جمهورهم ومغنيهم. وربما يعودون إلى جادة جماهيرهم يوماً ما.

ونعيم نصر كان مثال الملتزم بشعبه وأمته حتى الدموع والابتسام. فيسجن سنة ونصف وستة اشهر وثمانية عشر يوماً و...... و....... ويؤلف فرقة مسافات ويقدم ممتعاً الجمهور الفلسطيني رسم صورته أمامه وممتعاً الجمهور الغربي بعرض مأساة شعبنا على عالم حكوماته لا تعرف إلا انصياع لجبروت القوة والغطرسة العسكرية والاقتصادية، فيقدم المسرحيات، لقاء الآخر، والتي شاركت في مهرجان الفنون العربية عام 2003 في ليفربول ومسرحية ابتسم انت في غزة ورائعته مسرحية قصص وبقايا وطن، وأخيراً مسرحية كوابيس، لينفذها ويمثلها المعوقين. وكانت مدرجات مسرح الهلال تكتظ بالجمهور ليروا معجزة تحقيق المعوقين لذاتهم وليستردوا وجودهم المنكور والمغتصب لبضعة أيام، وما أن ينتهوا من العرض حتى ينهال الجمهور عليهم مسلماً مبدياً كامل اعجابه في كيفية دمج المعاقين لمن يسمون اصحاء في عالمهم بدلاً من العكس. هذا هو الاستاذ نعيم وهذا التزامه وهذا مسرحه، مسرح النضال من أجل الأمة ومن أجل خلاصها، وضمن خلاصها يأتي الخلاص الذاتي والشخصي.

  1. مشاهد مسرحية كوابيس الأربعة:


في مثل هذا الجو الحماسي والحيوي والقاعة في الهلال الأحمر تعج بالنظارة وقد أطفأت الأنوار، يبدأ المعاقون بعرض بعض من كوابيسهم التي خلقها لهم المجتمع بنكرانه لهم أن يكونوا من ابنائه الفاعلين فيعطيهم ويرعاهم ومن ثم يأخذ منهم.


ا. بينم ابراهيم نائم يهاجمه الكابوس، فهاهو يئن ويتقلب في صمه وبكمه تحت وطأة كابوسه. فيرى نفسه وقد انصفه المجتمع، فأفرد له ولأمثاله فرصة اكمال الدراسة الجامعية. إنه يلبس الروب الأسود والقلنسوة، ويقدم له رؤساء الجامعة الشهادة التي طالما حلم بها في الوعي، وفجأة ينقلب الجمهور إلى وحوش ضارية تنقض عليه تفترسه وتلتهمه. إنه حقيقة الواقع الذي يعيشه بما فرضه عليه المجتمع من لاآت ومرفوضات عليه، فالمجتمع هو الوحش الذي انقض عليه صحواً، يقض مضجعه أيضاً حتى في ليل هروبه. فيا شعب هذا المجتمع ومؤسساته ومثقفوه وأخيراً يارسميوه، متى ستولون هؤلاء المضطهدين حقوقهم وتفسحوا مجالات ومؤسسات المجتمع لهم؟؟ لقد صنع الممثل ابراهيم شخصية ممثل، لها حضورها وخصائصها التي اشتهرت بها.


ب. وفاء تحلم بوفاة والدها، فتصبح هي معيل الأسرة، ولا تحصل إلا على شهادة الصف الثالث الإعدادي. وهكذا ليس لديها مؤهل لعمل شريف، ولم تستطع أن تدفع أجرة الحجرة التي تستأجرها، فتطردها ربة الدار، وتهيم على وجهها متسولة, يقابلها متسول كفيف، يعرض عليها الزواج ويبرز لها محفظة مليئة بالدراهم، فتسرقها وينتهي بها المطاف الى بيوت الدعارة. إنها تؤكد ذاتها بطريقة معكوسة متمردة على المجتمع المنكر لها ثائرة عليه. إنها الأمال عندما تضيع من امرئ فيضيع الانسان، فالحياة لم تعد جديرة بأن تُعاش. وفاء كانت متلبسة للدور بشكل مبدع ليس فيه صحو للذات المهزومة التي تسكنها في الحقيقة والواقع.


ج. محمود معاق ايضاً، يحمل شهاد الثالث الإعدادي، وليس له من مستقبل بعدها، فيعمل في نظافة مؤسسة ما ليجلب لقمة العيش لأخوته وأمه بعد وفاة والده. إنه يضج بالشوق ليكون لاعب كرة في منتخب فلسطين القومي لكن المدرب يخيره بين العمل أو الانتساب للفريق القومي، إذ العمل يستنزف كل طاقته ومن ثم سيكون عالة على الفريق لو قبله ومن ثم على فلسطين، فلا يتحقق طموحة. تأتيه حبيبته التي تخيلها ستشاركه بناء اسرة تعمرها الأطفال، وتخبره برفض والدها له. إنه يريد لأبنته من يسعدها، خريج جامعي وسليم الجسد غير معاق. يُفرغ محمود من محتوى أناه وذاته ويزوره صديق الدراسة القديم الذي يستفسر عما انجزه في حياته، فيخبرة عن آماله الضائعة، فيعطيه المخدر. وبعد رحيل صديق السوء، يبتلع محمود المخدر وينام وتأتي ربة العمل لتنذره بالطرد إن تكرر نومه اثناء العمل. وفي المرة الثانية من النوم الخدر، تطرده ربة العمل ليتوه على أرصفة الطرقات هائماً فيقابله صديق السوء مرة أخرى، ويقبل محمود ان يكون مروجاً للمخدرات لصديق السوء. وفي وقت تالٍ تلقي الشرطة القبض عليه متلبساً، ليرتاح من ضياعه خلف القضبان.

د. كوثر تستلم شهادة الثالث الإعدادي السقف التعليمي المسموح به للمعاق في المجتمع. تنظر شذرة في الشهادة، ما نفعها، هذه شهادة وفاة في الحياة وشهادة طرد من المجتمع، لماذا تحتفظ بها، إلى بائع الفلافل، ويحل بدل أمل الدراسة الضائع الأمل في ملاقاة الحياة بإنجابها (أي الحياة) في أطفال قد يكونوا اصحاء يعوضون على الأم ما فقدت، فتحلم بالزواج. تزف لها اختها خبر مجيء عريس الغفلة، فتنتشي وتنط وترقص، وتنطفئ نارها عندما تراه عجوزاً على حافة قبره. فتحتج وتمتعض، لكن ماذا ممكن ان تقدم الحياة والمجتمع لمعاقة مثلها غير مثل هذه الفرصة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. لكن هل من الممكن أن يكون أمامها أمل في فرصة أفضل من هذه، أنا تقول تيس في اليد أفضل من لا شيء فتوافق على من انحنى ظهره واتكأ على عصاه وهي وردة نداها عليها لا يزال لم يجف سوى أنها فاقدة للسمع ومن ثم النطق. وتخدع نفسها بوهم كاذب بانها لبست حلم كل فتاة سوية في أن تأتي اللحظة وتلبس ثوب الملاك الأبيض انتظاراً لفارسها الشاب ليحملها خلفه على ظهر حصانة ويطير بها خلف النجوم متوارياً عن عيون الناس والزمان. لقد تجحت في خداع نفسها، ودارت العجائز من خلفها يصفقن وقرعن دفهن، كما الأطفال يزفون مخبولاً، "الهاوس طالعلو دنب" (شكراً للأستاذ المبدع خضر محجز على هذا الاقتباس). وفجأة تطل زوجة الزوج العجوز الأولى وتهجم عليه مهشمة له وجهه، لا يقوى على الدفاع عن نفسه. إنه ليس نصيب كوثر المهترئ جسداً وفقط بل الخاضع بذل العاجز لزوجته الأولى فيسقط طريح الأرض ويأتي رجال الاسعاف لينقلوه إلى المستشفى مغشياً عليه، إلا أن كوثر تمسك بكل اسنانها بلحظتها التعيسة وتطلب إلى النسوة الاستمرار في زفتهن. إنه اليأس يبرر ليأس جديد. فمتى سيتحول اليأس إلى أمل يبعث الحياة في أرواح المقبورين في الحياة؟؟


  1. المعاقون قطع شطرنج بيد المجتمع لا إرادة ولا وعي لها:

تنتهي مشاهد بعض كوابيس هؤلاء اشباه البشر، الذين لا ظل لهم ولا ماضٍ يعطي لحاضرهم معنىً وأملاً في مستقبل أفضل. فتفتح الستارة عن لوحة شطرنج كبيرة بمساحة حائط المسرح الخلفي، وعلى هذه الخلفية يغني المعاقون، نعم يغني المعاقون، على انغام لحن الاستاذ الموسيقار محمد الحاج، اغنية شكواهم بأن المجتمع حولهم إلى احجار شطرنج ينقلها من مكان إلى مكان بلا وعي فيها ولا إرادة. لكن أن يدرك المرء بأنه في لحظة فاقد للوعي والإرادة، يعني أنه في تلك اللحظة بالذات يدرك ويريد. هذه رسالتهم للمجتمع، "كشفناك أيها الظالم، الناكر لنا."


وهكذا طبق أبو النصر بشكل ممتفوق ما طالب به علماء الصحة النفسية من ضرورة دمج المعاق في المجتمع، فإذا بالمعاقين يدمجوننا بهم بوعي وإدراك فنقفز بانتهاء المسرحية إلى خشبة المسرح نحتضن ابراهيم رباح الذي رغم اهتزاز جسمه وصعوبة نطقة بكل عنفوان، يعبر عن سنين الغياب عن الأحباب، يحتضننا بقوة وكأنما يقول بحنين وشوق ولوعة، "لا تتركوني بعد اليوم." ووفاء طباسي المفعمة بالحيوية ونشاط ابنة العشرين، تضحك فرحة ليهتز عودها كاهتزاز شجرة لوز مزهرة مع نسائم الأصيل فتساقط على الأرج أوراق الزهور اللوزية البيضاء لتفرش الأرض بثوب عرس هو الأمل الباقي من أجل بعث الحياة في قلوب وأرواح هؤلاء القوم بغد افضل.


كان محمد الحاج موسيقياً محلقاً في سماء الإبداع كما والده من قبله في سماء الأدب والمقال الساخر اللاذع لكل فصيل أخذه الشطط بعيداً بعيداً عن اجاه بوصلة الشعب والقدس. ويالله ما أجملك من شعب، انت ياشعب فلسطين. وإن انسى لا أنسى الكوثر الفرا التي اثبتت اعتنامها لحظة أبو النصر فاعتصرتها ابداعاً وروعة تمثيل حتى الثمالة. أما ضيف الشرف مفيد سويدان فمجرد وجوده على خشبة المسرح مع المعاقين يبرهن كم هو سليم الروح والوجدان، هذا الممثل الفكاهي القدير، الذي مجرد ظهوره يثير في الروح زغزغة العصافير والكناري في قلوب الناس فيضحكون منها متناسين ما ثقلت به كواهلهم من أعباء الحصار والبطالة والحاجة والعوز.


هذا ما فعله أبو النصر الإنسان الحضاري الذي ما ان قدمت أم النصر إلى خشبة المسرح مهنئة لزوجها بنجاح مسرحيته حتى سلم عليها مقبلاً لها، معبراً عن تقديره لهذه العظيمة التي لا يمكن نكران دورها في تسهيل عليه التفكير في صياغة ابداعاته، الإنسان الملتزم بشعبه وكل فئات ابنائه بالإنسان المعاق من تحقيق ذات ودمج السليم في المعاق، فإلى متى ستدوم البسمة على شفاه المعاق، يا أبو النصر المؤزر؟